الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تفصيله تفصيلا ينبه إلى ما ليس بمحمود ، والمقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين ؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة ، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون ؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة ، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين ، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة . وقوله : آتِنا ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا ، أو يقدر المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله : حَسَنَةً فيما بعد ، أي آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً . و « الخلاق » بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلاقة وهي الجدارة ، يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديرا به ، ولما كان معنى الجدارة مستلزما نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما يلبس هذه من خلاق له » أي من الخير وقول البعيث بن حريث : ولست وإن قرّبت يوما ببائع * خلاقي ولا ديني ابتغاء التّحبّب وجملة وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ معطوفة على جملة مَنْ يَقُولُ فهي ابتدائية مثلها ، والمقصود : إخبار اللّه تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه لاحظ له في الآخرة ، لأن المراد من هذا الفريق الكفار ، فقد قال ابن عطية : كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلّا بمصالح الدنيا إذ كانوا لا يعرفون الآخرة . ويجوز أن تكون الواو للحال ، والمعنى من يقول ذلك في حال كونه لاحظ له في الآخرة ولعل الحال للتعجيب . و حَسَنَةً أصلها صفة لفعلة أو خصلة ، فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية ، ومثل تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة : كيف الهجاء وما تنفك صالحة * من آل لأم بظهر الغيب تأتيني ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم ، لأن الدعاء يقصد به العموم كقول الحريري : يا أهل ذا المغني وقيتم ضرّا